ابن العربي
314
أحكام القرآن
المسألة الحادية عشرة - قوله : أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ . قال علماؤنا : هذا دليل على أنّ ملك اليمين لا حقّ للوطء فيه ولا للقسم ؛ لأنّ المعنى فإن خفتم إلّا تعدلوا في القسم فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ، فجعل ملك اليمين كله بمنزلة الواحدة ؛ فانتفى بذلك أن يكون لملكه حقّ في الوطء أو في القسم ، وحقّ ملك اليمين في العدل قائم بوجوب حسن الملكية والرفق بالرقيق . المسألة الثانية عشرة - قوله تعالى : ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا . اختلف الناس في تأويله على ثلاثة أقوال : الأول - ألّا يكثر عيالكم ؛ قاله الشافعي . الثاني - ألّا تضلّوا ؛ قاله مجاهد . الثالث - ألّا تميلوا ؛ قاله ابن عباس والناس . وقد تكلمنا عليه في رسالة [ 111 ] ملجئة المتفقهين بشيء لم نر أن نختصره هاهنا : قلنا : أعجب أصحاب الشافعي بكلامه هذا ، وقالوا : هو حجّة لمنزلة الشافعي في اللغة ، وشهرته في العربية ، والاعتراف له بالفصاحة حتى لقد قال الجويني : هو أفصح من نطق بالضاد ، مع غوصه على المعاني ، ومعرفته بالأصول ؛ واعتقدوا أنّ معنى الآية : فانكحوا واحدة إن خفتم أن يكثر عيالكم ، فذلك أقرب إلى أن تنتفى عنكم كثرة العيال . قال الشافعي : وهذا يدلّ على أنّ نفقة المرأة على الزوج . وقال أصحابه : لو كان المراد بالعول هاهنا الميل لم تكن فيه فائدة ؛ لأنّ الميل لا يختلف بكثرة عدد النساء وقلتهنّ ، وإنما يختلف بالقيام بحقوق النساء ؛ فإنهنّ إذا كثرن تكاثرت الحقوق . قال ابن العربي : كلّ ما قال الشافعي أو قيل عنه أو وصف به فهو كلّه جزء من مالك ، ونغبة « 1 » من بحره ؛ ومالك أوعى سمعا ، وأثقب فهما ، وأفصح لسانا ، وأبرع بيانا ، وأبدع وصفا ، ويدلّك على ذلك مقابلة قول بقول في كل مسألة وفصل . والذي يكشف لك ذلك في هذه المسألة البحث عن معاني قولك « عال » لغة حتى إذا عرفته ركبت عليه معنى الآية ، وحكمت بما يصحّ به لفظا ومعنى .
--> ( 1 ) نغبة : جرعة ، وهي بفتح النون وضمها .